السيد محمد باقر الصدر

49

المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )

للقرآن مثل ذلك على الساحات الأخرى ؟ ولا حرج على القرآن في أن لا يكون له ذلك على الساحات الأخرى ؛ لأنّ القرآن لو صار في مقام استعراض هذه القوانين وكشف هذه الحقائق ، لكان بذلك يتحوّل إلى كتاب آخر نوعياً ، يتحوّل من كتاب للبشرية جمعاء إلى كتاب للمتخصّصين يدرّس في الحلقات الخاصة . قد يلاحظ بهذا الشكل على اختيار هذا الموضوع ، إلّاأنّ هذه الملاحظة رغم أنّ الروح العامّة فيها صحيحة ، بمعنى أنّ القران الكريم ليس كتاب اكتشاف ولم يطرح نفسه ليجمد في الإنسان طاقات النمو والإبداع والبحث وإنّما هو كتاب هداية ، ولكن مع هذا يوجد فرق جوهري بين الساحة التاريخية وبقية ساحات الكون ، هذا الفرق الجوهري يجعل من هذه الساحة ومن سنن هذه الساحة أمراً مرتبطاً أشدّ الارتباط بوظيفة القرآن ككتاب هداية ، خلافاً لبقية الساحات الكونيّة والميادين الأخرى للمعرفة البشرية ؛ وذلك أنّ القرآن كتاب هداية وعمليّة تغيير ، هذه العمليّة التي عُبّر عنها في القرآن الكريم بأ نّها إخراج للناس من الظلمات إلى النور . عمليّة التغيير الاجتماعي وأبعادها : وعمليّة التغيير هذه فيها جانبان : الجانب الأوّل : جانب المحتوى ، المضمون ، ما تدعو إليه هذه العملية التغييرية من أحكام ، من مناهج ، ما تتبنّاه من تشريعات ، هذا الجانب من عملية التغيير جانب ربّاني ، جانب إلهي سماوي ، هذا الجانب يمثّل شريعة اللَّه سبحانه وتعالى التي نزلت على النبي محمد صلى الله عليه وآله وتحدّت بنفس نزولها عليه كلّ سنن التاريخ المادية ؛ لأنّ هذه الشريعة كانت أكبر من الجوّ الذي نزلت عليه ، ومن البيئة التي حلّت فيها ، ومن الفرد الذي كلّف بأن يقوم بأعباء تبليغها .